أخبار العرب والعالم

إسرائيل ومعركة الصورة التي قلبت الموازين! | آراء

مثّلت الصورة الإعلاميَّة لإسرائيل نموذجًا لفشل إسرائيل في إدارة معركتِها الإعلاميّة، ومن ثمّ فشل السياسات الإعلاميّة لإسرائيل، هذا ما أعطى قناة الجزيرة يدًا عليا في معركة الهيمنة على الصورة الإعلاميّة، وعلى شاشات التلفاز، وعلى شبكات التواصل الإعلامي، عربيًا ودوليًا، ما يجعل هناك تساؤلات حول مدى كفاءة الإعلام الإسرائيليّ لثانية مرّة منذ قيام دولة إسرائيل، هذه الصورة التي استطاع الرئيس أنور السادات خطفها وهزّها حين زار القدس في 1977، فصارَ هو النجم الأوحد على أرض إسرائيل في حين تلاشت صورة إسرائيل أمامه.

مصداقية المقاومة

في هذه المرّة المقاومة الفلسطينية بدت وكأنها في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تخسر المعركة دوليًا أمام مزاعم إسرائيل، وتكسبها عربيًا، في حين أنّ القدرات الإعلاميَّة للمقاومة الفلسطينية- التي قامت على بثّ الصورة الحية والخطاب الرصين- قادت إلى كسب أرضية متزايدة عربيًا، ثم دوليًا بمرور الوقت.

لكن اغتيال حمزة الدحدوح، وموقف والده والأسرة المُتماسكة، شكّل ذلك صورة إعلامية لفتت الانتباه دوليًا إلى قيام إسرائيل بقتل عائلات في غزّة، وهو أمر لم يكن الإعلام الدولي يتعامل معه بجدية، فشكلت الاغتيالات المتتالية لأفراد عائلة الدحدوح نمطًا يجري القياس عليه، هذا ما جعل حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة لها مصداقية تفوق كلّ الروايات الإسرائيلية لنفيها.

هل فشلت إسرائيل؟

الحقيقة التي يقرّرها الواقع العملي أكثر تعقيدًا، فالسياسات الإعلامية لإسرائيل حاليًا، تعود لمراكز صنع القرار التي لا تمارس فعلها المثالي المفترض، وإنما تمارسه تحت سطوة صراعات تاريخيّة ومصالح يتعارض بعضها مع بعض، والكثير منها غائر في زمانه، أو جامح في مقاصده، أو عنيف في ممارسته، وفي ظلّ هذه الأحوال فإن القرار السياسي – وبالتالي السياسات الإعلامية المترتبة عليه – تحكمه بالقطع عوامل غير مثالية!

إن هناك شيئًا يتقاطع بين المثالي المفترض، والواقع الذي يعبّر عن المصالح، أيًا كانت هذه المصالح، لذا فدور السياسات الإعلاميّة عادة هو صناعة صورة مضيئة، وتبرير الأفعال أو إنقاذ القرارات المتضاربة أو الضعيفة.

وسيط فعال

فقد باتت السياسات الإعلامية في طور التحول إلى عالم له تشابكاته مع عوالم أخرى، فهي ليست قائمة على الخبر أو وسائط الإعلام، بل تستخدم علوم الأنثروبولوجي والاجتماع والتاريخ، فضلًا عن التقنيات الحديثة.

صناعة هذه السياسات إذًا ليست بالسهولة التي قد يتخيّلها البعض، فهي تحدّد للدولة أهدافها وطريقة الوصول لها، وفلسفتها، وعملية التغيير اللازمة في الوقت المناسب، فضلًا عن كونها الوسيط الفعّال بين الدولة والجمهور، لخلق حالة من التوافق بينهما، وتبادل التأثير لصالح الطرفَين.

هنا نجد أن الثقة المهزوزة لأوّل مرّة في رئيس الوزراء الإسرائيلي تجعل الحكومة الإسرائيلية فاقدة للمصداقيّة حتى على صعيد الإعلام الداخلي، وهو ما لم يحدث في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ولا في أي حرب أخرى خاضتها إسرائيل.

إن أنجح السياسات هي التي تقوم على إقامة علاقة متوازنة بين الجمهور والدولة ، إذ يجب ألا يتوقف دور الدولة على جعل الجماهير تتكيف معها، ولكن يجب أن تتكيف الدولة نفسها مع البيئة الخارجية، بما فيها الجماهير الفاعلة تجاهها، فبناء علاقة إستراتيجية بين الطرفين تعتمد على الفهم المتبادل والاتصال الفعال في اتجاهين بدلًا من الاعتماد على إستراتيجيات الإقناع في اتجاه واحد، وتتوقف قدرة القائمين على إدارة هذه العلاقة على عدة عوامل منها: الاستقلالية في اتخاذ القرار، والقوة والأهمية التي تتمتع بها الجماهير، ومناخ تغطية وسائل الإعلام، وكذلك القيود القانونية والتنظيمية.

عزلة نتنياهو

إن المسؤولين عن إدارة هذه العلاقة في إسرائيل كان عليهم تصميم رسائل تخاطب الحاجات الشخصية للأفراد، وإحدى هذه الحاجات هي أن يشعر الفرد بأنه مهم، وأن المصلحة العامة مقدمة على كل شيء، وعدم القيام بذلك يؤدي يومًا بعد يوم لعزلة نتنياهو، ومن ثم حكومته حتى صار الإسرائيليون صوتهم النقدي يعلو مع وصول الجثث والجرحى من الميدان مع شعب تعود ألا يخسر حربًا، فكيف سيقتنع بهذه الآلام الغائرة داخله.

فضلًا عن أن المسلمين في الغرب عبر المواد التي تبثّ من قناة الجزيرة باللغة الإنجليزية ووسائط التواصل الاجتماعي قلبوا الموازين في صالح الرؤية التي تقدمها المقاومة الفلسطينية، وهو ما أدّى لانقلاب لدى الرأي العام الغربي، وهذا ما لم تتحسب له الحكومات الغربية جيدًا في بداية الحرب، فالمسلمون صاروا رقمًا في المعادلة في الداخل الأوروبي والأميركي، وهذا لم يكن في حسبان صنّاع السياسات الإعلامية في إسرائيل. لأول مرة، هذا التحول قد يدفع الساسة في الغرب مستقبلًا لتوخّي الحذر في التعامل مع القضايا الحساسة في المنطقة العربية.

 

 

 


Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى