اقتصاد

مواجهة التضخم القوي لويس حبيقة

دكتور لويس حبيقة*

إن التضخم العالمي الحالي قوي ويختلف عن معدلاته في الماضي لعدة أسباب، أهمها تأثير الحروب الدائرة في أوكرانيا وغزة على الاستثمار والتجارة العالمية، وبالتالي على كافة مؤشرات التضخم. تم إلغاؤها بسبب الأوضاع العالمية الخطيرة، أما التجارة العالمية فقد تأثرت بعض شبكاتها بالحربين وأصبحت بالتالي أكثر خطورة وتكلفة. وفي المناطق الداخلية للدول، خلال السنوات الأربع الماضية، ونتيجة للأوضاع الاجتماعية المتدهورة، عادت الروح إلى النقابات العمالية التي أصبحت أفضل تنظيما وبدأت تمارس الضغوط للحصول على حقوق العمال المشروعة، وبالتالي خفض التكاليف. وزادت الأعمال التجارية وتأثرت مؤشرات الأسعار. وهذا وضع مؤقت لأن إنتاجية العمال ستزداد مع تحسن سبل عيشهم، وهو ما سيعود بالنفع تدريجيا على الاقتصاد.

أما التغيرات الديموغرافية، فلها عواقب كبيرة على أسواق العمل وبالتالي على معدلات البطالة. على الصعيد الدولي، تتزايد نسبة المتقاعدين بين السكان العاملين بسبب التقدم في الطب والرعاية الصحية، أي بسبب الزيادات في متوسط ​​العمر المتوقع، وهذا له عواقب على سوق العمل لأنه يحدد العرض. ويتأثرون أكثر من غيرهم بكثير بعدم استجابة الأجور للطلب على خدماتهم، بما في ذلك التعليم والتمريض والرعاية الصحية بشكل عام. وتحدث ضربات مؤلمة في هذه القطاعات الأساسية، حتى في أغنى البلدان.

لقد تحسن الدولار عالمياً نتيجة لبعد أميركا عن الحربين الرئيسيتين، كما أن ارتفاع عائدات الدولار جعل من العملة الأميركية نقطة جذب واضحة للمستثمرين والمدخرين العالميين. وأدى ارتفاع الدولار إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الطاقة والمعادن والغذاء، مما ساهم في تعميق مشكلة التضخم العالمية.

فكيف يتعامل العالم مع هذا التضخم؟ وكيف يمكن تعزيز هذه المواجهة لتخفيف آلام المواطنين والفقراء بشكل خاص دون التسبب في كوارث إضافية جديدة؟ هناك إمكانية لرفع أسعار الفائدة كسياسة عادية لتقليل الطلب، لكن السعر قد يكون مرتفعا، أي الركود والبطالة. ويعتمد نجاح هذه السياسات على البنوك المركزية والتزامها بمكافحة التوقعات التضخمية الضارة.

وهناك فرصة لتعزيز سياسات جانب العرض وزيادة الإنتاجية، وهو ما يؤثر بدوره على النمو والأسعار. وتشكل الاستثمارات في القطاعات الرقمية والمشفرة، وكذلك في القطاعات ذات المستوى العالي من التكنولوجيا المتقدمة، أساس هذه السياسة، وكذلك قطاعي الفيزياء والكيمياء.

ومن الضروري أن تتكيف السياسات المالية والنقدية الوطنية مع الظروف الجديدة. إن وقف روسيا لإمدادات الغاز إلى أوروبا بسبب الحرب وتجميد الأسعار من شأنه أن يضمن أن الأوروبيين سيقضون شتاءً آخر صعباً وبارداً. إن ارتفاع أسعار الغاز والتضخم بشكل عام يعني أن أوروبا تمر بمرحلة صعبة من الحياة. من الصعب توقع تحسن سريع في العلاقات بين روسيا وأوروبا حتى بعد انتهاء الحرب. لذا فمن المنطقي أن تستمر أوروبا في تنويع مصادر الطاقة لديها.

بسبب فيروس كورونا والعمل عن بعد وتحول العديد من العمال إلى الشركات الناشئة والشركات الصغيرة، هناك طلب قوي على العمال وضعف العرض في المهن الرئيسية مثل سائقي الشاحنات والمدرسين ومؤخراً بعض المهن الحرة. إن استمرار أداء أسواق العمل، مع تحسن الأجور نتيجة لضعف العرض، يساعد الأسر على الإنفاق، وبالتالي الاقتصاد ككل على البقاء والازدهار.

*كاتب لبناني

Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى